يُعدّ مفهوم الخدمة العامة من المفاهيم المحورية في تطوّر الفكر الإداري والسياسي الحديث، إذ شكّل الإطار النظري الذي بُنيت عليه العلاقة بين الدولة والمجتمع في مختلف العصور. فقد انطلقت جذور هذا المفهوم من المدرسة القانونية الفرنسية في مطلع القرن العشرين، عندما ارتبطت فكرة الدولة بمسؤوليتها عن تحقيق المصلحة العامة من خلال المرافق والخدمات التي تُقدَّم للمواطنين. ومع تطور المجتمعات وتعقّد أنماط الإدارة، لم يعد مفهوم الخدمة العامة مقتصرًا على البعد القانوني، بل أصبح يعكس منظومة من القيم والممارسات التي تعبّر عن فلسفة الحكم وطبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطنين. وفي هذا السياق، تطور الفكر الإداري عبر مراحل متعاقبة بدءًا من الخدمة العامة التقليدية القائمة على سيادة الدولة ومركزيتها، مرورًا بمرحلة الإدارة العامة التقليدية ذات الطابع البيروقراطي، ثم الإدارة العامة الجديدة (NPM) التي نقلت مبادئ السوق إلى القطاع العام، وصولًا إلى المرحلة الأحدث وهي الخدمة العامة الجديدة (NPS) التي ظهرت مع مطلع الألفية الثالثة، لتعيد الاعتبار للقيم الديمقراطية والمواطنة والمشاركة كمرتكزات أساسية في العمل الحكومي. يأتي هذا المقال ليتناول مفهوم الخدمة العامة الجديد من خلال بيان نشأته وتطوره التاريخي، واستعراض المبادئ التي يقوم عليها، والنظريات الفكرية التي شكّلت أسسه المعرفية، بما يتيح فهماً أعمق للتحوّل الذي شهده الفكر الإداري العام من منطق "الإدارة" إلى منطق "الخدمة"
تعد الخدمة العامة (Public Service) من المفاهيم المركزية في الفكر القانوني والإداري الحديث، إذ تعتبر الأساس الذي قامت عليه مدرسة القانون العام الفرنسي في مطلع القرن العشرين، وكانت نقطة التحوّل من مفهوم الدولة بوصفها سلطة سيادية إلى مفهومها كأداة لخدمة المصلحة العامة، وقد نشأ المفهوم التقليدي في سياق قانوني، ثم تطور ليحمل
أبعاد فلسفية واجتماعية على يد فقهاء مدرسة بوردو (École de Bordeaux)، التي كان من أبرز روادها ليون دوجي - Léon Duguit - وغاستون جيز - Gaston Jèze.
في الفهم التقليدي للخدمة العامة عرف ليُون دوجي Léon Duguit – الخدمة العامة على إنها "عبارة عن خدمات يُشكّلها ويُنظّمها ويُوجّهها ويُسيطر عليها أصحاب السلطة، الذين بذلك يُؤدّون الالتزام الذي يفرضه عليهم حكم القانون القائم على التضامن الاجتماعي"، وقد عرفها غاستون جِيز- Gaston Jèze بأنها "ليست أي نشاط ذو نفع عام فقط، بل هي حاجة من حاجات المصلحة العامة قرّر القائمون بالحكم في بلدٍ وزمنٍ معيّنين إشباعها من خلال (الخدمة العامة)"، بمعنى أن غاستون جيز يرى أن الخدمة العامة تسمى بهذا الاسم ليس لأنها مصلحة عامة بل كونها تحت مسؤولية القائمون بالحكم هو الذي يُكسب النشاط صفة "الخدمة العامة" في نظره، كما أقرت محكمة التنازع الفرنسية في الحكم بلانكو- Blanco الذي أصدرته عام 1973، أن "مسؤولية الدولة عن أضرار أعمال المرفق العام لا تُحكَم بقواعد القانون المدني بل بقواعد خاصة يطورها القاضي الإداري"، ويعد هذا الحكم هو البداية الفعلية لمعيار الخدمة العامة ونشأة القانون الإداري الحديث.
ظهر مفهوم الخدمة العامة الجديد في بداية الألفيات، حيث عرفه روبرت دنهارديت – Robert Denhardt وزوجته جانيت دنهارديت – Janet Denhardt في واحد من أشهر الدراسات الأكاديمية بعنوان The New Public Service: Serving Rather Than Steering، بأنه "يدعو إلى الخدمة بعدم التوجيه، والتركيز على تمكين المواطنين والمشاركة العامة بدلاً من توجيه الحكومة للمجتمع أو التحكم فيه"، وبالتالي فإن دور الموظف العام ليس أن يوجّه، بل أن يخدم ويساعد المواطنين عن التعبير عن مصالحهم وتحقيقها. وفي مقالة لهما عام 2015 بعنوان The New Public Service Revisited، يقترح مفهوم الخدمة العامة الجديدة (حلقة فاضلة- virtuous circle) ، حيث تُعرّف المشاركة بأنها ذات قيمة جوهرية للمواطنين وتؤدي إلى تحملهم مسؤولية مدنية أكبر - مما يحفز بدوره المزيد من المشاركة في تقديم الخدمات العامة، والذي تبنته جامعة كامبريدج وقامت بالاستشهاد بهم في كتاب لها بعنون Public and Nonprofit Administration: Public Service Explained.
يمثل مفهوم الخدمة العامة الجديدة (New Public Service – NPS) مرحلة متقدمة من تطور الفكر الإداري العام، جاءت استجابةً للتحولات الكبرى في علاقة الدولة بالمواطنين وفي دور الحكومة في المجتمع. هذا التطور لم يحدث دفعةً واحدة، بل مرّ بعدة مراحل متعاقبة، تعكس كل منها رؤية مختلفة لطبيعة العمل الحكومي وأهدافه، بدءًا من الخدمة العامة التقليدية، وصولاً إلى الإدارة القائمة على المشاركة والقيم العامة.
تُعد هذه المرحلة الجذور الأولى للفكر الإداري الحديث في القطاع العام، حيث كانت الدولة تُعتبر الفاعل الوحيد المسؤول عن تقديم الخدمات العامة للمجتمع. كانت الفكرة المحورية تقوم على أن الخدمة العامة واجب أخلاقي ووظيفي تؤديه الحكومة نيابةً عن المجتمع، بهدف تحقيق النظام العام والمصلحة المشتركة، دون وجود منظور اقتصادي أو كفائي كما في المراحل اللاحقة. اعتمد هذا النموذج على الفكر القانوني الفرنسي الكلاسيكي ( مثل أعمال ليون دوجي- Léon Duguit وجاستون جيز- Gaston Jèze الذين أكدوا أن الدولة مسؤولة عن "الخدمة العامة" باعتبارها نشاطًا يهدف إلى إشباع حاجة عامة تحت إشراف السلطة العامة. وكان مفهوم الخدمة العامة بمفهومها القديم (Public Service) هو الأساس الذي قامت عليه نظرية القانون الإداري الأوروبي، وقد تجلت في هذه المرحلة نظرة أبوية للدولة، فهي التي تعرف المصلحة العامة وتقررها، بينما المواطن يُنظر إليه كمستفيد أو خاضع للخدمة وليس شريكًا في صياغتها أو تقييمها.
في هذه المرحلة انتقلت الخدمة العامة من كونها مجرد التزام أخلاقي للدولة إلى أن تصبح نظامًا إداريًا منظمًا ومؤسساً، وتمثّل ذلك في ظهور الفكر الإداري الكلاسيكي الذي أسسه وودرو ويلسون Woodrow Wilson - الذي دعا إلى فصل السياسة عن الإدارة لضمان الحياد والكفاءة، إضافة إلى ماكس فيبر Max Webe - الذي وضع أسس النموذج البيروقراطي باعتباره أكثر أشكال التنظيم عقلانية، يقوم هذا النموذج على مبدأ أن الحكومة يجب أن تُدار وفق تسلسل هرمي صارم، وأن الموظفين العموميين يعملون ضمن منظومة من القواعد والتعليمات الرسمية، بحيث تكون الشرعية القانونية هي أساس السلطة، والإجراءات هي معيار الحكم على الأداء، كانت المساءلة في هذا النموذج رأسية، أي أن الموظف مسؤول أمام رؤسائه لا أمام المواطنين، وكان الهدف الرئيس هو الانضباط الإداري وتطبيق القانون، لا الكفاءة أو رضا المستفيدين. غير أن هذا النموذج واجه انتقادات مع اتساع حجم الدولة وتعدد مهامها، إذ أصبح ثقيلاً وبطيئاً في الاستجابة لاحتياجات المواطنين المتغيرة، مما أدى إلى المطالبة بإدخال مبادئ أكثر مرونة وكفاءة.
تمثل هذه المرحلة نقطة التحول الأبرز في تاريخ الفكر الإداري العام، إذ تبنّت الحكومات الغربية (خاصة بريطانيا ونيوزيلندا والولايات المتحدة) فلسفة الإدارة بالأسلوب التجاري، تأثرت هذه المرحلة بالنظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة (Neoclassical Economics)، نظرية الاختيار العام (Public Choice Theory)، التي تفترض أن الأفراد - بما فيهم الموظفون العموميون - يسعون لتحقيق مصالحهم الذاتية، ومن ثم ينبغي تصميم المؤسسات العامة لتحفيز الأداء والمساءلة من خلال المنافسة والنتائج، أصبح المواطن في هذا النموذج (زبونًا - Customer)، وتحوّل الهدف من تحقيق "المصلحة العامة" إلى تحقيق الكفاءة والإنتاجية وتقليل التكلفة، وأعتمدت الحكومات وقتها آليات السوق، مثل الخصخصة، التعاقد الخارجي، والتقييم بالأداء، لتقليل البيروقراطية وتحسين جودة الخدمات.
نشأ هذا النموذج في مطلع الألفية الجديدة على يد الباحثين الأمريكيين روبرت دنهارديت – Robert Denhardt وزوجته جانيت دنهارديت – Janet Denhardt ، في مقالتهم الشهيرة عام 2000 The New Public Service: Serving Rather than Steering ، حيث جاءت الخدمة العامة الجديدة كرد فعل نقدي على "الإدارة العامة الجديدة"، في محاولة لإعادة البُعد الإنساني والأخلاقي إلى العمل الحكومي، حيث يرى مفهوم الـ NPS أن الحكومة ليست شركة، وأن المواطنين ليسوا زبائن، بل مواطنون أصحاب حقوق ومسؤوليات مشتركة. وبذلك، يصبح دور الإدارة العامة هو خدمة المواطنين لا قيادته (Serving rather than Steering) ، وتحقيق القيمة العامة (Public Value) من خلال الحوار والمشاركة والتعاون بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، حيث يؤكد مفهوم الخدمة العامة الجديدة على فكرة أن نجاح الإدارة لا يُقاس فقط بالكفاءة أو الأداء المالي، بل بقدرتها على بناء الثقة العامة وتحقيق العدالة والشفافية والمساءلة التشاركية.
قدّم روبرت دنهايدرت وجانيت دنهايدرت هذا النموذج ليؤكد أن وظيفة الحكومة ليست "إدارة السوق" ولا مجرد "تطبيق القوانين"، بل خدمة المواطنين والمصلحة العامة من خلال المشاركة والديمقراطية والقيم الإنسانية، وقد قدم المؤلفان فكرتهما حول سبعة مبادئ أساسية تنتهجها الخدمة العامة الجديد وتقوم عليها، وهي:
1. خدمة المواطنين لا العملاء (Serve Citizens, Not Customers) في نماذج الإدارة الحديثة مثل NPM، يُنظر إلى المواطن باعتباره "زبونًا" تتعامل معه الحكومة كما تتعامل الشركات مع عملائها. لكن الخدمة العامة الجديدة ترفض هذا المنطق، وتؤكد أن المواطن هو شريك في صنع القرار العام لا مجرد متلقٍّ للخدمة. فالخدمة العامة هي علاقة اجتماعية تشاركية قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، تهدف إلى بناء مجتمع ديمقراطي، لا مجرد مؤسسة لتقديم خدمات.
2. السعي نحو المصلحة العامة (Seek the Public Interest) ترى الخدمة العامة الجديدة أن المصلحة العامة لا تُختزل في مجموع المصالح الفردية كما في الاقتصاد الحر، بل تُبنى من خلال الحوار العام والمشاركة المجتمعية. وتهدف الحكومة إلى تهيئة بيئة تسمح للمواطنين بالمشاركة في تحديد أولوياتهم، وبذلك تُصبح المصلحة العامة نتاجًا تفاعليًا وليس مجرد قرار فوقي أو حساب اقتصادي.
3. تقدير المواطنة فوق ريادة الأعمال (Value Citizenship over Entrepreneurship) في الإدارة العامة الجديدة (NPM)، يُنظر إلى المدير الحكومي كرائد أعمال (Entrepreneur) يبتكر ويُحقق النتائج. أما في الخدمة العامة الجديدة، فالقائد الحكومي هو مواطن عام (Public Citizen) مسؤول عن القيم العامة، العدالة، والمشاركة، لا عن الأرباح أو الكفاءة فقط. تركز هذه الفلسفة على المسؤولية الأخلاقية والمهنية، لا على المنفعة الفردية.
4. التفكير الاستراتيجي والعمل الديمقراطي (Think Strategically, Act Democratically)
يجب أن يكون التفكير الإداري في القطاع العام استراتيجيًا، أي يعتمد على التخطيط الطويل المدى، لكن التنفيذ يجب أن يكون ديمقراطيًا، أي من خلال المشاركة والمشاورة والحوار المستمر مع المواطنين. تؤكد NPS على أن القرارات الحكومية يجب أن تُبنى على مزيج من العقلانية الإدارية والقيم الديمقراطية لضمان التوازن بين الكفاءة والعدالة.
5. الاعتراف بأن المساءلة ليست بسيطة (Recognize That Accountability Isn’t Simple)
توسّع الخدمة العامة الجديدة مفهوم المساءلة ليشمل عدة أبعاد، وليس فقط الكفاءة أو الأداء المالي. فالموظف العام مسؤول أمام القانون، والسلطة السياسية، والمجتمع المدني، والمواطنين، وضميره المهني. هذه الرؤية تُعيد تعريف المساءلة على أنها مسؤولية متعددة المستويات تتجاوز المؤشرات الرقمية إلى قيم النزاهة والشفافية.
6. الخدمة لا التوجيه (Serve Rather Than Steer) يُعتبر هذا المبدأ جوهر NPS في NPM، كانت الحكومة "توجّه السفينة" وتترك التنفيذ للقطاع الخاص. لكن NPS ترى أن الحكومة يجب أن تخدم وتُمكّن المواطنين من توجيه أنفسهم من خلال المشاركة والتعاون. فهي ليست “قائد السوق” بل مُمكّن للديمقراطية والمواطنة.
7. تقدير الناس لا الإنتاجية فقط (Value People, Not Just Productivity) يركز هذا المبدأ على البعد الإنساني في الإدارة العامة. فالأفراد – سواء موظفين أو مواطنين – هم محور العملية الإدارية. تسعى NPS إلى بناء منظمات حكومية تحترم الإنسان وتطوّر قدراته وتقدّر الإبداع، بدلاً من قياس الأداء بالأرقام فقط.
يستند نموذج الخدمة العامة الجديدة كما صاغه روبرت دنهارديت Robert Denhardt - وجانيت دنهارديت Janet Denhard - إلى مجموعة من النظريات الحديثة في الفكر الإداري والسياسي، التي أعادت النظر في علاقة الدولة بالمواطنين، وفي معنى "لقيمة العامة" ودور الحكومة في تحقيقها، ومن أبرز هذه النظريات ثلاث ركائز أو نظريات أساسية قام عليها مفهوم الخدمة العامة الجديد، وهي: النظرية الديمقراطية التشاركية، ونظرية القيم العامة، والحوكمة التعاونية (النهج الشبكي)، وفي ما يلي نستعرض هذه النظريات بشكل أكثر تفصيلاً:
تعد النظرية الديمقراطية التشاركية من أهم الأطر الفكرية التي دعمت مفهوم الخدمة العامة الجديدة، حيث تطورت هذه النظرية في أواخر القرن العشرين مع تصاعد الدعوات إلى إشراك المواطنين في صنع السياسات العامة، باعتبار أن الديمقراطية لا تقتصر على التمثيل الانتخابي، بل تشمل المشاركة اليومية في عمليات الحكم وصنع القرار، وتعود جذور هذا الاتجاه إلى جون ديوي John Dewey - ، الذي أكد في كتابه The Public and Its Problems عام 1927، أن الديمقراطية الحقيقية لا تُمارس فقط في صناديق الاقتراع، بل في الحياة اليومية من خلال التفاعل والمشاركة العامة، ثم تطور هذا المفهوم في التسعينات ضمن ما عُرف بـ (الحوكمة الديمقراطية (Democratic Governance - التي ركزت على جعل المواطنين فاعلين مباشرين في إدارة الشأن العام وليس مجرد متلقين للقرارات الحكومية. وقد أوضح الباحث آرتشون فانغ Archon Fung - في دراسته Varieties of Participation in Complex Governance عام 2006، أن المشاركة الفعالة من خلال التداول والتفاوض هو واحد من أساليب صنع القرار، وهو المجال الذي تُبنى فيه المصلحة العامة من خلال النقاش الجماعي والمداولات المفتوحة، والتوصل فيه الى حلول ترضي الأطراف بناء على الحجج والأسباب حتى لو لم يتوافقون في الآراء، ويُعد هذا جوهر ما تنادي به الخدمة العامة الجديدة، إذ تعتبر أن الشرعية الإدارية لا تأتي فقط من القانون أو الكفاءة، بل من مشاركة المواطنين في صياغة القرار العام.
تعد نظرية القيم العامة أحد الأسس المركزية التي قامت عليها الخدمة العامة الجديدة، وهي نظرية طورها مارك مور Mark H. Moore - في كتابه له Creating Public Value: Strategic Management in Government عام 1995 ، تهدف هذه النظرية إلى تقديم بديل عن منطق "القيمة الاقتصادية" الذي تبنّته الإدارة العامة الجديدة (NPM) ، والانتقال إلى مفهوم أشمل هو القيمة العامة (Public Value) ، حيث يرى أن القطاع العام لا يمكن تقييمه فقط بمعايير الكفاءة أو الربحية، بل بمعيار قدرته على خلق قيمةٍ يشعر بها المجتمع، مثل (العدالة، الثقة، المساواة، وحماية الصالح العام، وغيرها)، بحيث تتمثل مهمة (القائد العام أو المدير) في تحديد هذه القيمة بالتعاون مع المواطنين، ثم تعبئـة الموارد والمؤسسات لتحقيقها، بالتالي، تتحول الإدارة العامة إلى عملية إبداع اجتماعي وليست مجرد إدارة موارد، وقد طوّر الباحث جون بين - John Benington لاحقًا هذا المفهوم في دراسته Public Value: Theory and Practice عام 2011، حيث أكّد أن القيمة العامة هي "ناتج تفاعل بين الحكومة والمجتمع المدني وليست شيئًا تفرضه الدولة من الأعلى"، وهذا الفكر يتقاطع بوضوح مع مبادئ الخدمة العامة الجديدة التي تجعل القيم الديمقراطية والإنسانية محور العمل الحكومي.
ظهر النهج الشبكي في الحوكمة في التسعينات كرد فعل على محدودية الدولة البيروقراطية من جهة، ومخاطر السوق الحرة من جهة أخرى، وهو يقوم على فكرة أن القضايا العامة المعقدة لا يمكن حلها بواسطة الحكومة وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين أطراف متعددة تشمل الدولة، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات المحلية. ويعتبر كريس آنسل Chris Ansell - وأليسون غاش - Alison Gash من أبرز المنظّرين لهذا الاتجاه، حيث نشرا دراستهما المرجعيةCollaborative Governance in Theory and Practice عام 2008 في مجلة Journal of Public Administration Research and Theory ، وعرّفا فيها الحوكمة التعاونية بأنها"عملية حكم يتم فيها اتخاذ القرارات العامة من خلال تفاعل مباشر وبنّاء بين فاعلين متعددي المستويات يسعون إلى تحقيق أهداف مشتركة قائمة على الإجماع والثقة المتبادلة"، وهذا المفهوم عمليًا في الخدمة العامة الجديدة يذهب إلى رؤية تعتبر الحكومة منسّقًا وميسّرًا بدلاً من أن تكون المتحكم الوحيد، فالموظف العام في هذا السياق يصبح مُمكِّنًا (facilitator) للتعاون بين الأطراف المختلفة، وتُبنى القرارات العامة على الشراكة بدلاً من الأوامر.
إنّ تطور مفهوم الخدمة العامة يعكس المسار المتغيّر لدور الدولة في المجتمع، وانتقالها من موقع السيطرة إلى موقع الشراكة، ومن منطق التوجيه إلى منطق الخدمة. وقد مثّل ظهور الخدمة العامة الجديدة (NPS) نقطة تحول جوهرية في الفكر الإداري، إذ تجاوزت الأطر الاقتصادية والبيروقراطية السابقة لتُعيد التركيز على الإنسان باعتباره محور العملية الإدارية وغايتها. فالقيمة العامة لم تعد تقاس فقط بالكفاءة أو المخرجات، بل بقدرة المؤسسات على تعزيز الثقة والمساءلة والمشاركة المدنية. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن مفهوم الخدمة العامة في صورته الحديثة لا ينفصل عن قيم الديمقراطية والحوكمة الرشيدة، بل يقوم عليها ويتفاعل معها باستمرار. ومن هنا، تظل الخدمة العامة الجديدة إطارًا مفتوحًا للتطور، يعيد تعريف العلاقة بين الحكومة والمجتمع وفق مبادئ التعاون، والاحترام المتبادل، وتحقيق الصالح العام.
Denhardt, Robert B., and Janet V. Denhardt, “The New Public Service Revisited.” In Public and Nonprofit Administration: Public Service Explained, edited by Paul du Gay, et al., Cambridge University Press, 2015.
ابقى على اﻃﻼع واشترك بقوائمنا البريدية ليصلك آخر مقالات ومنح وأخبار الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ
ﺑﺘﺴﺠﻴﻠﻚ في ﻫﺬﻩ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ البريدية، فإنَّك ﺗﻮاﻓﻖ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﻼم اﻷﺧﺒﺎر واﻟﻌﺮوض والمعلوﻣﺎت ﻣﻦ الموسوعة اﻟﺴﻴﺎﺳﻴّﺔ - Political Encyclopedia.
اﻧﻘﺮ ﻫﻨﺎ ﻟﻌﺮض إﺷﻌﺎر الخصوصية الخاص ﺑﻨﺎ. ﻳﺘﻢ ﺗﻮفير رواﺑﻂ ﺳﻬﻠﺔ لإﻟﻐﺎء الاشترك في ﻛﻞ ﺑﺮﻳﺪ إلكتروني.